يعيش الاف الفلسطينيين في قطاع غزة واقعا نفسيا مريرا يتجاوز حدود الدمار المادي الذي خلفته الحرب حيث تحولت الخيام المهترئة الى مساحات ضيقة تضج بالالم والقلق المستمر. ويكشف الناجون من ويلات القصف عن تفاصيل يومية قاسية حيث بات الاكتئاب رفيقا دائما للعائلات التي فقدت منازلها وابناءها ومصادر رزقها في ظل ظروف معيشية تفتقر الى ادنى مقومات الحياة الكريمة.
واكد رجاء العويضة وهو احد النازحين الذين فقدوا اطرافهم وعددا من افراد عائلته ان مشاعر العجز واليأس تسيطر على الغالبية العظمى من سكان الخيام. واضاف ان تعذر الحصول على الرعاية الطبية اللازمة واغلاق المعابر يفاقمان من حدة المعاناة النفسية والجسدية مما يجعل من التعايش مع هذا الواقع تحديا يفوق قدرة البشر على التحمل.
واشار العويضة الى ان فقدان الامان والخصوصية داخل المخيمات ساهم في تعميق الفجوة بين النازحين وحياتهم السابقة التي كانت تتسم بالاستقرار. واوضح ان الالم النفسي لم يعد مقتصرا على فئة معينة بل اصبح ظاهرة عامة تلاحق الصغار والكبار على حد سواء في ظل غياب اي افق للحل او العودة.
واقع مرير خلف جدران الخيام
وتحدثت رانيا ابو نصيرة عن تجربتها المريرة مع النزوح الذي طال امد تحوله من ايام معدودة الى واقع مستمر لا ملامح لنهايته. وبينت ان الضغوط المتراكمة داخل المساحات الضيقة ادت الى تغيرات سلوكية حادة واضطرابات نفسية اصابت الاطفال والامهات مما خلق اجواء من التوتر الدائم داخل الخيمة الواحدة.
واوضحت رانيا ان الحياة في الخيام تفتقر للخصوصية والماء والامان مما يجعل النازحين يشعرون وكأنهم يعيشون في العراء وسط ظروف مناخية ومعيشية قاسية تزيد من حدة الاكتئاب. واكدت ان فقدان الكرامة الانسانية في ابسط صورها هو الجرح الاعمق الذي يرافقهم في كل لحظة انتظار.
وشدد الاخصائي النفسي محمود عصفور على ان غزة تشهد ارتفاعا غير مسبوق في معدلات الاضطرابات النفسية نتيجة تراكم الصدمات وتداخل عوامل الفقر والنزوح والحروب. وبين ان التحول المفاجئ في نمط الحياة من السكن في المنازل الى العيش في الخيام ترك ندوبا عميقة في نفوس السكان يصعب مداواتها في ظل استمرار الحرب.
