تتحول الضفة الغربية في الوقت الراهن من مجرد ساحة توتر امني الى مختبر واسع لاعادة تشكيل بنية السيطرة الاسرائيلية، حيث تتقاطع مسارات معقدة تشمل استباحة القتل وتمدد ارهاب المستوطنين، وسط ضغوط اقتصادية ممنهجة تهدف الى خنق السلطة الفلسطينية وفرض واقع الضم الزاحف على الارض دون اعلان رسمي.
واظهرت تحليلات وتقارير حديثة ان الضفة باتت تشهد تحولا عميقا في قواعد الاشتباك الميداني، مع وجود اوامر اطلاق نار اكثر تساهلا تجاه الفلسطينيين، يقابلها تهاون قضائي ملحوظ مع الجرائم التي يرتكبها المستوطنون، مما يعزز مناخا من الافلات من العقاب ويجعل من حياة الفلسطينيين هدفا متاحا في اي لحظة.
واكد مراقبون ان هذه السياسات تعكس لحظة فارقة في تاريخ الضفة، حيث اصبح معيار الخطر مرتبطا بهوية الفاعل لا بالفعل نفسه، مما يكرس حالة من الفصل العنصري الممنهج الذي يغذي الصراعات ويدفع المنطقة نحو المجهول.
اعترافات عسكرية تكشف المستور
وبين اللواء آفي بالوط، قائد المنطقة الوسطى في الجيش الاسرائيلي، في تصريحات نادرة وجود تمييز واضح في التعامل مع راشقي الحجارة، موضحا ان التعامل مع المستوطنين يخضع لحسابات اجتماعية وسياسية معقدة، بينما يتم التعامل مع الفلسطينيين بعنف مفرط يتجاوز الخطوط الحمراء.
واضاف بالوط ان اوامر اطلاق النار اصبحت تسمح باستهداف المشتبه بهم حتى الاصابة في الركبة او اسفلها، متباهيا بوجود عدد كبير من النصب التذكارية لمن وصفهم بالباحثين عن عمل الذين حاولوا التسلل، وهو ما يضع الضفة في خانة ساحات القتل المفتوح التي لا تخضع لرقابة حقيقية.
واشار القائد العسكري الى ان وتيرة القتل ارتفعت بشكل غير مسبوق منذ الاحداث الاخيرة، محاولا تطبيع فكرة وجود هامش مقبول لقتل غير المتورطين، في حين تتحول الحجارة من اداة احتجاج شعبي الى مبرر شرعي للقتل الاستباقي الذي لا يحتاج الى غطاء سياسي او قانوني.
ارهاب المستوطنين وتواطؤ القضاء
وكشفت تقارير عسكرية عن وصف بالوط لعنف المستوطنين بانه ارهاب يهودي، مشيرا الى وقائع حرق قرى فلسطينية بالكامل دون ان يواجه الجناة سوى عقوبات شكلية لا تتعدى الاقامة الجبرية القصيرة، مما يبرز المأزق الذي تعيشه مؤسسات الدولة في ظل تنامي نفوذ الجماعات المتطرفة.
واوضح ان المستوطنات الزراعية التي انشئت بالتنسيق مع الجيش ساهمت في تنفيذ اجندة استيطانية تمنع التوسع العمراني الفلسطيني في المنطقة ج، وتعمل كادوات للسيطرة الميدانية التي تخدم المشروع الاستيطاني التوسعي على حساب الحقوق الفلسطينية.
واضافت المعطيات ان وزير الدفاع الاسرائيلي اتخذ قرارات بتقييد ادوات التعامل مع المستوطنين، بما في ذلك ايقاف الاعتقال الاداري بحقهم، مما يغلق الباب امام اي محاولة جدية للجم جماح العنف الذي يمارسونه بحماية المؤسسة الامنية.
خنق مالي وسياسة الحسم
وبينت تقارير اقتصادية ان اسرائيل تحتجز مليارات الشواكل من اموال المقاصة الخاصة بالسلطة الفلسطينية، مما يفاقم الازمة المالية الخانقة ويدفع الاف العمال الفلسطينيين الى المخاطرة بحياتهم للبحث عن لقمة العيش في ظل اغلاق المعابر وتراجع فرص العمل.
واضاف باحثون ان هذه الاجراءات المالية تتقاطع مع السياسة العسكرية، حيث تؤدي الازمات المعيشية الى زيادة حدة التوتر، مما يمنح القوات الاسرائيلية ذريعة اضافية لاستخدام القوة المميتة بذريعة الحفاظ على الامن، في حلقة مفرغة من المعاناة.
واكد الدكتور ميخائيل ميلشتاين ان هناك محاولات جدية لفرض واقع جديد في الضفة الغربية عبر مشروع حسم يتبناه اليمين الديني، محذرا من ان القيم المتطرفة التي تتبلور في المستوطنات بدأت تنتقل تدريجيا الى المجتمع الاسرائيلي ككل، مما يغير وجه الدولة ومستقبل علاقتها بالفلسطينيين بشكل جذري.
