تعيد ذكرى انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان فتح ملفات شائكة حول التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد منذ عام 2000 وحتى يومنا هذا، وسط نقاشات متصاعدة حول جدوى معادلات الردع التي سادت طويلا.
واضاف مراقبون ان المشهد السياسي الحالي يعكس تراجع الثقة في تلك النظريات العسكرية التي تبناها حزب الله، خاصة مع التغيرات الميدانية الكبيرة التي فرضتها الحروب الاخيرة وما تبعها من دمار واسع في القرى الجنوبية.
وبين محللون ان القرار الحكومي باعتبار هذه الذكرى مناسبة رسمية جاء في توقيت بالغ الحساسية، مما اثار تباينات حادة بين القوى السياسية حول طبيعة المرحلة المقبلة ومستقبل القرار الوطني اللبناني المستقل بعيدا عن التجاذبات.
سقوط نظرية الردع العسكري
واكد النائب فادي كرم ان التحرير لم يكن نتيجة لنظرية الردع كما روج البعض، بل كان نتاجا لتسويات اقليمية ودولية معقدة، موضحا ان تلك الشعارات اثبتت فشلها امام الاختبارات الميدانية القاسية التي واجهها لبنان.
واشار كرم الى ان الخطر الاكبر لا يكمن في التهديد العسكري فحسب، بل في التغلغل الايديولوجي الذي مارسته قوى خارجية لضرب الشراكة الوطنية، مبينا ان لبنان اليوم يسعى جاهدا لاستعادة قراره السيادي بعيدا عن الاملاءات.
واوضح ان تراجع النفوذ الايراني في المنطقة يغير قواعد اللعبة السياسية في بيروت، مشددا على ان المرحلة الراهنة تتطلب تكاتف الجهود الداخلية لانهاء حالة التفرد بالقرار التي عانت منها الدولة لسنوات طويلة.
تلاشي وظيفة السلاح في لبنان
واعتبر النائب مارك ضو ان ما سمي بمفهوم الردع كان وهما سياسيا استخدم لتبرير بقاء السلاح خارج اطار الدولة، كاشفا ان التطورات منذ عام 2005 اثبتت ان هذا السلاح اصبح عبئا على الاستقرار الوطني.
واضاف ضو ان القرارات الدولية مثل 1701 وضعت خارطة طريق واضحة لحصر السلاح بيد الجيش، مبينا ان استمرار التجاوزات جعل من هذا السلاح ذريعة دائمة للجانب الاسرائيلي لتوسيع نطاق اعتداءاته على الاراضي اللبنانية.
واكد ان الدولة اللبنانية تعمل حاليا على استعادة كامل صلاحياتها في ملف الحرب والسلم، موضحا ان السلاح الذي فقد وظيفته كمقاومة تحول الى عنصر معطل لقيام مؤسسات الدولة ومحرك اساسي للازمات الاقتصادية والاجتماعية.
اختبارات السردية في الواقع الجديد
ورأى الكاتب علي الامين ان مفهوم الردع كان مصطنعا وغير واقعي، موضحا ان الاحداث الاخيرة كشفت هشاشة البنية العسكرية التي اعتمد عليها الحزب، مما وضع الرواية التي سادت لسنوات امام امتحان حقيقي وعسير.
واضاف الامين ان الاختراقات الامنية والعمليات العسكرية الواسعة اثبتت ان الحسابات التي بنيت على اوهام القوة كانت خاطئة، مبينا ان تل ابيب اعادت رسم قواعد المواجهة بناء على معطيات ميدانية جديدة كليا وتجاوزت كل المعادلات.
وختم الامين بان السردية القديمة التي صدقها الكثيرون تنهار اليوم امام الحقائق، مشددا على ان ما تبقى من تلك الاوهام يواجه اختبارات قاسية ستحدد مصير التوجهات السياسية والميدانية في لبنان خلال الفترة المقبلة.
