في مدينة الرمثا، لم يكن الحزن عاديا، ولم يكن الوداع تقليديا، بل كان الفقد قاسيا الى حد جعل الوجع يتحول الى رسالة انسانية نادرة، بطلها الاب المكلوم عصام مياس ابو محمد، الذي ودع نجله البكر محمد، البالغ من العمر 25 عاما، في حادثة هزت البلدة واثقلت قلوب اهلها.
على مدار يومين متتاليين، توافد ابناء العشيرة واهالي البلدة والاصدقاء لتقديم واجب العزاء، في مشهد تضامن انساني كبير، لكن الاب المفجوع كان يحمل في داخله قرارا مختلفا، قرارا لم يولد من قوة بل من عمق الوجع ذاته.
في اليوم الثالث، طلب الاب من ابناء عشيرته جميعا الحضور الى ديوان العشيرة في ساعة محددة، واصر على الا يغيب احد الا من منعته ظروفه، دون ان يوضح سبب هذا الطلب، ليجتمع في الديوان حشد كبير من الناس، بينهم اطراف متخاصمة لم يتبادلوا السلام منذ سنوات طويلة.
وقف الاب في منتصف الديوان، ملامحه منهكة، عيناه غارقتان بالدموع، وصوته مثقل بالتعب، وبدأ حديثه بشكر الحاضرين على مواساتهم له في مصابه العظيم، ثم حمد الله، قبل ان يقول كلمات خرجت من قلب منكسر، مؤكدا ان الحياة لا تساوي شيئا امام الفقد، وان الكلمات مهما كانت صادقة لا تخفف هذا الوجع.
لكن المفاجاة كانت في ما تلا ذلك، حين قال الاب المكلوم ان اكثر ما قد يواسيه في مصيبته، ليس الكلام ولا العزاء، بل ان يرى المتخاصمين من ابناء عشيرته يرمون اسباب الخلاف خلف ظهورهم، ويتصافحون امامه، لاجله ولاجل ابنه الراحل.
في الديوان ذاته، كان هناك اكثر من عشرة اطراف متخاصمين، لم يجتمعوا منذ سنوات الا على الحزن، فكان المشهد صادما ومؤثرا، حين تقدموا واحدا تلو الاخر، وتصافحوا، وتعانقوا، وسط صمت ثقيل لم يقطعه سوى البكاء.
ابتسم الاب عند هذا المشهد، ابتسامة ممزوجة بالدموع، ابتسامة من ذاق العوض من بعد الفقد، فيما فاضت اعين الحاضرين جميعا، بعدما كانوا قبل لحظات يرجون الاب ان يخفف من بكائه ويستجمع رباطة جاشه، فاذا به يبكيهم جميعا في لحظة انسانية ستبقى راسخة في ذاكرة العشيرة والبلدة.
كانت لحظة تاريخية بكل معنى الكلمة، سجلت في ديوان العشيرة لا بالحبر، بل بالدموع والمواقف، حين تحول الحزن الى صلح، والفقد الى رسالة، والدمعة الى بداية جديدة.
وكانت الجهات الامنية قد عثرت على الشاب محمد عصام سعيد مياس متوفيا داخل منزل ذويه في بلدة البويضة بلواء الرمثا، حيث جرى نقل الجثمان الى مركز الطب الشرعي لتحديد سبب الوفاة، فيما باشرت الاجهزة المختصة التحقيق في الحادثة واتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة وفق الاصول.
رحل محمد، لكن اثره بقي، وبقي موقف والده شاهدا على ان بعض الاوجاع لا تكسر، بل تصلح ما تكسر في القلوب، وتعيد للانسانية معناها الحقيقي.
رحم الله الفقيد، والهم ذويه الصبر والسلوان، وجعل ما قام به والده في ميزان حسناته، وعوضه خيرا من بعد خير.
