تتصاعد التوترات بشأن مفاوضات ايران النووية، ففي ظل الاجواء الايجابية التي اعلنتها طهران بعد محادثاتها مع واشنطن في جنيف، يبدو المشهد معقدا، حيث تتحدث ايران عن تقدم واستعداد لتقديم مقترحات لاتفاق محتمل.

بينما اكد نائب الرئيس الاميركي ان طهران لم توافق بعد على تجاوز الخطوط الحمر التي وضعتها الادارة الاميركية، ملمحا الى ان الدبلوماسية قد تصل الى طريق مسدود اذا لم يتغير الوضع.

واضاف تقرير لموقع اكسيوس مزيدا من التوتر، اذ تحدث عن اقتراب الادارة الاميركية من حرب واسعة النطاق مع ايران، وليس مجرد ضربة محدودة، وفقا لمسؤولين اميركيين واسرائيليين.

حشود عسكرية وتصعيد محتمل

واشار التقرير الى ان الحشد العسكري الاميركي يشمل حاملتي طائرات، ونحو اثنتي عشرة سفينة حربية، ومئات الطائرات المقاتلة، اضافة الى انظمة دفاع جوي متعددة.

وبين التقرير انه قد نفذت اكثر من 150 رحلة شحن عسكرية لنقل اسلحة وذخائر الى الشرق الاوسط، وخلال 24 ساعة فقط، وصلت 50 طائرة مقاتلة اضافية من طراز اف-35 واف-22 واف-16 الى المنطقة.

وبين هاتين الروايتين تتشكل منطقة رمادية، فهي ليست انهيارا رسميا للمفاوضات ولا اختراقا يضمن اتفاقا قريبا، غير ان تصاعد الضغط العسكري واتساع سلة المطالب الاميركية وضيق هامش المناورة امام طهران يجعل التفاؤل الايراني اقرب الى ادارة الوقت منه الى اعلان اقتراب تسوية.

مقترحات طهران ومهلة واشنطن

وحسب ما رشح من جنيف، خرجت طهران من الجولة الثانية مركزة على مفهومي المبادئ التوجيهية والاجواء البناءة، في محاولة لتثبيت ان مسار التفاوض لم ينكسر بعد، وان ثمة ارضية مشتركة يمكن البناء عليها، وفي المقابل، تشير روايات متقاطعة الى ان واشنطن تنتظر من ايران العودة خلال اسبوعين بمقترح مفصل او مكتوب يجيب عن الاسئلة الجوهرية للاتفاق بدلا من الاكتفاء بعناوين عامة.

وقال مسؤول اميركي ان محادثات جنيف مع ايران احرزت تقدما، لكن لا تزال هناك تفاصيل كثيرة بحاجة الى مناقشة، مضيفا ان الجانب الايراني ابلغ واشنطن بانه سيعود خلال الاسبوعين المقبلين بمقترحات مفصلة لمعالجة بعض الفجوات القائمة في مواقفنا.

واوضح المسؤول ان ايران طرحت خلال المحادثات فكرة تعليق تخصيب اليورانيوم لفترة محددة قد تتراوح بين عام وثلاثة او خمسة اعوام، غير ان هذا الطرح لا يلبي بمفرده مطلب الرئيس الاميركي بانهاء التخصيب بالكامل.

العقوبات ورفع الحظر

واشار مسؤولون اميركيون مطلعون الى ان الولايات المتحدة تدرس، في المقابل، امكان رفع بعض العقوبات المالية والمصرفية والحظر المفروض على مبيعات النفط الايراني، في حال قدمت طهران خطة مقنعة تضمن رقابة كافية على برنامجها النووي وتتضمن حوافز اقتصادية مناسبة، وفقا لشبكة سي بي اس الاخبارية.

واكد مسؤول اميركي ان صياغة البيان الصادر عن البيت الابيض تعكس ان الكرة في ملعب طهران، وان على الايرانيين تقديم خطة واضحة خلال 14 يوما يمكن ان تحظى بقبول الادارة الاميركية.

وهذا التفصيل، مهلة الاسبوعين، ليس تقنيا، بل هو ساعة رملية سياسية، فاما ان تقدم طهران صياغات قابلة للاختبار والتحقق، واما تتهم بانها تستخدم المفاوضات لتخفيف الضغط دون تقديم تنازلات، ومع ان طهران تحاول فصل الملف النووي عن باقي الملفات الحساسة، فان الاشارات الاميركية الاخيرة توحي بان الاتفاق الموعود المطلوب في واشنطن لم يعد نوويا فقط، بل اوسع واثقل كلفة.

الخلافات والخطوط الحمر

وجاءت تصريحات نائب الرئيس الاميركي لتؤطر الخلاف بلغة حادة، فالمحادثات سارت جيدا في بعض النواحي، لكنها كشفت في نواح اخرى عن ان الايرانيين غير مستعدين للاعتراف بخطوط حمر وضعتها الادارة الاميركية والعمل على تجاوزها، واللافت هنا ليس فقط مضمون الرسالة، بل ما تفتحه من باب لتفسير ان واشنطن تتهيأ مبكرا لاتهام طهران بالتعنت تمهيدا لنقل الملف من طاولة التفاوض الى خيارات اكثر قسوة.

هنا يذهب فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشان الايراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، ابعد من ذلك، معتبرا ان المفاوضات وصلت عمليا الى مازق، لان الادارة الاميركية لا تضع الملف النووي وحده على الطاولة، بل ترفقه بقضايا اخرى مثل قدرات الصواريخ البعيدة المدى ودعم الوكلاء والسلوك الداخلي العنيف، وهي ملفات يرفض النظام حتى الان بحثها، حسب قوله.

ووفق نديمي، فان هذا الاتساع في الشروط يجعل احتمال الصفقة الشاملة ضعيفا، وان كان لا يستبعد اتفاقا مرحليا في اللحظة الاخيرة هدفه تاخير الانفجار لا منعه.

الحرب المحتملة

في المقابل، يحذر باراك بارفي، الباحث في معهد نيو اميركا، من القفز سريعا الى اعلان الفشل، ويرى انه من المبكر جدا اعتبار المفاوضات ميتة، لان الطرفين تبادلا مسودات ويحاولان ايجاد طريقة للنزول عن الشجرة دون ان يظهر ايهما وكانه تراجع عن ثوابته.

لكن بارفي يلفت الى عاملين قد يحددان المصير، اولا، ما اذا كانت طهران ستعتبر التنازلات وجودية ام قابلة للتسوية، وثانيا، مزاج الادارة الاميركية نفسها، اذ قد لا يملك الصبر على تكتيكات المساومة البازارية التي يتقنها الايرانيون، او قد لا يرغب اصلا في منحها وقتا اطول.

هنا يلتقي التحليل السياسي مع لغة القوة، حيث يتحدث تقرير اكسيوس عن مشهد تعبئة عسكرية متصاعدة، حاملتا طائرات وعشرات السفن ومئات الطائرات المقاتلة وتعزيزات دفاع جوي الى جانب مئات رحلات الشحن العسكرية التي تنقل ذخائر وانظمة الى المنطقة، في صورة توحي بان الادارة لا تلوح فقط، بل تبني خيارا عملياتيا متكاملا.

واذا كانت طهران ترى في هذا الحشد محاولة للي الذراع داخل التفاوض، فان فرزين نديمي يقراه اشارة شبه حاسمة الى ان واشنطن تتحرك بسرعة نحو حملة عسكرية واسعة، وان زخمها لن يتوقف الا اذا قدمت ايران تنازلات كبيرة ومن دون اضاعة وقت، هذا المنطق يعيد تعريف المفاوضات، فهي ليست مسارا مستقلا عن الحرب، بل جزءا من ترتيباتها ونافذة اخيرة قبل ان يقال ان الدبلوماسية استنفدت اغراضها.

وفي المقابل، ما يجعل خيار الحرب محفوفا بالمخاطر ليس فقط كلفته، بل ايضا سياسة التوقعات التي صنعها الحشد العسكري نفسه، فكلما ارتفع سقف التعبئة، صار التراجع اصعب، لانه سيبدو وكانه انكفاء تحت الضغط او فشل في انتزاع تنازلات، وهنا تصبح مهلة الاسبوعين اكثر من موعد تقني، بل اختبارا للارادة، فهل تستطيع طهران تقديم ورقة مكتوبة تحمل تنازلات قابلة للترجمة؟ وهل تقبل الادارة الاميركية اصلا باتفاق اقل من الحد الاقصى اذا كانت قد صعدت علنا سقف الخطوط الحمر؟

والسيناريو الاقرب، وفق ما يظهر من تباين السرديات، هو استمرار التفاوض بوصفه مسارا معلقا فوق فوهة التصعيد، جولات اضافية ومسودات متبادلة ووعود بالكتابة، لكن من دون عبور حقيقي للخطوط الفاصلة، واذا لم يحدث ذلك العبور خلال النافذة الزمنية المعلنة، فستزداد قوة رواية نهاية الدبلوماسية التي لمح اليها نائب الرئيس الاميركي، وسيزداد معها خطر انتقال الملف من تفاوض تحت الضغط الى ضغط يصنع الحرب.