في وقتٍ يواجه فيه قطاع الدواجن تحديات غير مسبوقة، تتفاقم أزمة نقص مادة الذرة الصفراء لتتحول من مجرد خلل في الإمدادات إلى تهديد حقيقي للأمن الغذائي. هذه المادة، التي تشكل نحو 75% من مكونات أعلاف الدواجن، لم تعد متوفرة بالكميات المطلوبة، في ظل ممارسات غير مسؤولة من بعض المستوردين الذين استغلوا الظروف الراهنة لتحقيق مكاسب على حساب المربين والاقتصاد الوطني.

فبدلًا من القيام بدورهم في تأمين هذه السلعة الاستراتيجية، أقدم بعض التجار على رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه وغير مبرر، بل وصل الأمر إلى حد الامتناع عن البيع للمربين وأصحاب الشركات، في سلوك يرقى إلى الاحتكار ويخالف أبسط قواعد السوق العادلة. هذه التصرفات لا تهدد فقط استمرارية مزارع الدواجن، بل تضع آلاف العاملين في هذا القطاع أمام خطر حقيقي، وتفتح الباب أمام ارتفاع كبير في أسعار المنتجات للمستهلك النهائي.

ولا يمكن إنكار أن الظروف الإقليمية والدولية، بما فيها ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، قد ساهمت في زيادة الضغوط على سلاسل التوريد. إلا أن استغلال هذه الظروف لتبرير الجشع وفرض واقع احتكاري أمر غير مقبول، ويستدعي وقفة حازمة من الجهات المعنية.

أمام هذا الواقع، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالمراقبة أو الانتظار. المطلوب اليوم تدخل حكومي فوري وحاسم يعيد ضبط السوق ويحمي هذا القطاع الحيوي من الانهيار. وفي مقدمة هذه الإجراءات، ضرورة الموافقة العاجلة على تعليق العمل بالمواصفة القياسية الخاصة بنسبة الكسر لمادة الذرة الصفراء لمدة ثلاثة أشهر، كحل استثنائي يتيح تسهيل الاستيراد وزيادة المعروض في السوق.

كما يتوجب على الحكومة تفعيل أدوات الرقابة بشكل صارم، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الاحتكار أو التلاعب بالأسعار، إلى جانب فتح قنوات استيراد بديلة، وربما التدخل المباشر لتأمين هذه المادة عبر مؤسسات رسمية إذا لزم الأمر.

إن استمرار هذه الأزمة دون تدخل حقيقي سيؤدي إلى نتائج كارثية، ليس فقط على قطاع الدواجن، بل على الأمن الغذائي الوطني ككل. فالمسألة لم تعد قضية تجارية، بل قضية تمس قوت المواطنين واستقرار السوق.

وعليه، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الحكومة لاتخاذ قرارات جريئة وسريعة، تضع حدًا لهذه الممارسات، وتعيد التوازن إلى السوق، وتحمي المربين من الانهيار، وتضمن استمرار توفر المنتجات الأساسية للمواطنين بأسعار عادلة